تخطي أوامر الشريط
التخطي إلى المحتوى الأساسي
تسجيل الدخول
الشيـخ زايـد بن سلطان آل نهيـان

​الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان​

كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيّب الله ثراه) أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتحوّلت الدولة خلال فترة حكمه – التي امتدّت 40 عاماً – من مجرد اتحاد يتكوّن من سبع إمارات، إلى أمة قوية، يتمتّع فيها الفرد بأحد أعلى متوسط دخل الأفراد في العالم العربي، وأصبحت دولة الإمارات في مصاف الدول التي تمتلك أفضل بنية تحتية ونظام اجتماعي معاصر، ولقد كانت وفاة الشيخ زايد يوم 2 نوفمبر 2004 نهاية أحد أهم العهود التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

حظي الشيخ زايد (رحمه الله) بصفته رئيساً لدولة الإمارات بثقة المجتمع الدولي واحترامه، واستطاع أن يجعل من دولة الإمارات أحد أهم اللاعبين العالميين بين الدول الصناعية الحديثة، كما حافظ بصفته حاكماً للإمارات على الدور التقليدي الذي يقوم به الأب تجاه أهله وشعبه؛ حيث كان باستطاعة أي مواطن في الدولة الوصول إليه، ليس فقط لمناقشة القضايا المتعلقة بسياسات الدولة، ولكن أيضا لمناقشة أي مسائل شخصية تُطرح عليه، وبذلك استطاع أن يُجسّد صورة رجل الدولة العصري، الذي يتميّز في الوقت ذاته بصفات قائد القبيلة وقيمه.​


 


 


 

حُكم مدينة العين​​

وُلد الشيخ زايد في "قصر الحصن" بأبوظبي عام 1918، وكان والده الشيخ سلطان بن زايد حاكماً للإمارة خلال الفترة من 1922 إلى 1926، وكان الشيخ زايد هو الابن الأصغر من بين أربعة أبناء، وسُمّي على اسم جده، الذي يعرفه الناس باسم زايد الأول، والذي حكم الإمارة خلال الفترة من 1885 إلى 1909.

في عام 1946 عُيّن الشيخ زايد حاكماً للعين، وممثلاً لأخيه الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان في المنطقة الشرقية، وخلال مدة حكمه للعين – التي امتدت إلى عشرين عاماً – استطاع الشيخ زايد أن يحظى بسمعة طيبة، واشتُهر بكونه حاكماً بالفطرة، وضرب خلال فترة حكمه نموذجاً يُحتذى به، وتمثّلت مبادئ القيادة عنده في المحافظة على روابط قوية بينه وبين شعبه، والإشراف بنفسه على تنفيذ الإصلاحات؛ لذلك حرص دائماً على أن يكون مجلسه مفتوحاً للجميع، حيث كان يتخذ قراراته بناءً على إجماع آراء القبائل المختلفة، وكان يسافر إلى جميع أنحاء المنطقة، وحتى المناطق النائية منها، لمشاورة الناس، وتفقّد أحوالهم، وسؤالهم عن حاجاتهم، وخلال فترة حكمه لمدينة العين والمنطقة الشرقية ذاع صيت الشيخ زايد، وحظي بحب الشعب واحترامه كواحد من أفراده، وكقائد يحرص دائما على الاستماع إلى جميع رعاياه، ويُمثل فضائل الكرم وحسن الضيافة.

تولي حكم أبوظبي وإنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة

كان لاكتشاف كميات هائلة من النفط في أواخر العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن الماضي أثر كبير في قلب المعادلة الاقتصادية بالكامل في منطقة الخليج، وبدأ منذ ذلك الوقت عصر التطوّر الحقيقي للمنطقة، وعندما بدأ تصدير النفط لأول مرة من أبوظبي في عام 1962، بدا واضحاً أن هناك حاجة إلى وجود رؤية جديدة للحكم، تتطرّق إلى التحديات الجديدة، وتُحسن استغلال عوائد النفط؛ الأمر الذي حدا بعائلة آل نهيان إلى اختيار الشيخ زايد حاكماً لإمارة أبوظبي بتاريخ 6 أغسطس 1966، وتمكّن الشيخ زايد من تحقيق إصلاحات واسعة، منها تطوير قطاعات التعليم والرعاية الصحية والإسكان الشعبي وتحديثها، وتطوير المدن بوجه عام.

ومع ذلك لم يكن تحسين مستوى المعيشة وتوزيع عوائد النفط هما التحديان الوحيدان اللذان واجهتهما الدولة، حيث بدا الأمر جلياً في عام 1968 أنه أصبح لزاماً على الإمارات المتصالحة أن تتحول خلال ثلاث سنوات إلى أمة عصرية مستقرة، وأدرك الشيخ زايد ضرورة إنشاء اتحاد قوي لجعل الدولة المستقبلية دولة قوية ومستقرة على الصعيد الدولي، وكان من الضروري حينئذ أن يتم الاتفاق على وضع دستورٍ ونظامٍ قانونيٍ ونموذج للحكم، في وقت لم تألف فيه الدولة أياً من تلك الأمور، وقاد جهود عملية إنشاء اتحاد بين الإمارات السبع مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، الذي وقّع معه اتفاقية في عام 1968، وتُوجت جهود القائدين العظيميْن في نهاية الأمر بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971.

قيـادة الاتحـاد

انتُخب الشيخ زايد في 2 ديسمبر 1971 كأول رئيس للدولة بإجماع من قبل حكام الإمارات، الذين يمثلون أعضاء "المجلس الأعلى للاتحاد"، وكان المجلس يُجدد ثقته في الشيخ زايد كل خمس سنوات، ويُعيد انتخابه مرة أخرى.

استطاع الشيخ زايد من خلال متابعته الدؤوبة لشؤون الدولة الآخذة في النمو أن يوزّع عائدات الثروة النفطية على القطاعات التي كانت في أشدّ الحاجة إلى التطوير، وأن يضمن مكانة اجتماعية مستقرة لجميع مواطني الدولة، ولم يقتصر اهتمامه فقط على الاستقرار الاقتصادي للدولة، بل إنه شعر أيضا بالمسؤولية الشخصية حيال تعليم الجيل الجديد تراثه وثقافته، مع الحفاظ على ذكريات الماضي وقيمه؛ حتى يتسنّى للدولة أن تتأقلم على نحو أفضل مع التغيّرات السريعة المقبلة، وعلى الصعيد السياسي، لم تساعد بصيرة الشيخ زايد وتواضعه على ضمان وحدة دولة الإمارات فحسب، بل ازدادت سمعة الدولة بين دول العالم العربي بفضل استقرارها، والكرم الذي يجود به حكامها على شعبها وعلى شعوب الدول الأخرى أيضا.

توسيـع الاتحـاد: مجلس التعاون الخليجي

كان لدى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد قناعة عميقة بفوائد الاتحاد، ليس فقط بين إمارات الدولة السبع، ولكن بين جميع دول الخليج أيضاً، وتمثّلت رؤية الشيخ زايد في توحيد جميع دول الخليج، التي تجمعها عوامل متشابهة كالاقتصاد والتاريخ القائم على التركيبة الاجتماعية القبلية، التي أسفرت عن تكوين كتلة إقليمية وسياسية رسمية، وقام رؤساء الدول الأعضاء في المجلس – وهي البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات – بتوقيع وثيقة تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتاريخ 24 مايو 1981 في أبوظبي.

إصلاح التعليـم

كان توفير التعليم لجميع مواطني الدولة إحدى أهم مبادرات الشيخ زايد لتطوير دولة الإمارات، وفي إطار هذه المبادرة تم بناء المدارس والمراكز التعليمية في جميع أنحاء الدولة، كما تم استقدام المدرسين من الدول العربية الأخرى لتعليم الأجيال الشابة.

في غضون سنوات قليلة، تمكّنت دولة الإمارات من تلبية جميع متطلبات التعليم التي تحتاجها أي دولة حديثة ومعاصرة، وبلغت جهود الشيخ زايد في هذا المجال أوجهها عندما نجح في تأسيس كثير من المؤسسات التعليمية المعتمدة، مثل "جامعة الإمارات" و"كليات التقنية العليا" و"جامعة زايد"، كما احتضنت الدولة كثيرًا من الجامعات والكليات الخاصة، مثل "جامعة أبوظبي" و"جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا" و"الجامعة الأمريكية" في الشارقة و"الجامعة الأمريكية" في دبي، وأصبحت دولة الإمارات بفضل هذه الجهود أحد أهم مراكز التعليم المعتمدة، التي نجحت في جذب الطلاب من الدول الصديقة المجاورة، كما كانت دولة الإمارات أيضاً إحدى أوائل الدول التي أدخلت مهارات الحاسب الآلي ضمن مناهجها الدراسية.

تطوير القطاعات الصناعية والبنيـة التحتيـة

كان الدافع الرئيس وراء رؤية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد (طيّب الله ثراه) في تطوير القطاع الصناعي بدولة الإمارات، هو إدراكه التام أن النفط مصدر محدود وناضب، وقد تركّز اهتمامه على تطوير قطاع التصنيع، الذي شهد نهضة كبيرة في السبعينيات، حين قفز الناتج القومي الإجمالي لدولة الإمارات من 940 مليون درهم إلى 2980 مليون درهم، ووجه الشيخ زايد إلى إنشاء "الشركة الصناعية العامة"، التي تحوّلت فيما بعد إلى "الشركة القابضة العامة" (ش. م. ع.)، حيث عُهد إليها بوضع السياسات والتخطيط لتنويع التنمية الصناعية.

شكّل تطوير البنية التحتية للدولة أيضا إحدى أهم أولويات الشيخ زايد (رحمه الله)، ومنذ بدايات حكمه كان لديه إدراك بأهمية إنشاء الطرق وخطوط الهاتف وإنشاء إعلام وطني لربط كل إمارة بباقي الإمارات السبع، وسرعان ما ساعدت الطرق الجديدة والمطارات الدولية والموانئ البحرية دولة الإمارات على أن تلعب دوراً مهماً في العالم الصناعي الحديث، وعلى احتلال مكانة مرموقة بين أكثر دول العالم الصناعية تقدماً.

حمايـة البيئـة

عُرِف عن الشيخ زايد حبه العميق للطبيعة، وحرصه الشديد على حماية البيئة والحفاظ عليها، ومن ضمن أعماله الخالدة – كحاكم لأبوظبي – تشجيعه ودعمه للزراعة، والتوسّع في نشر الرقعة الخضراء لكبح جماح ظاهرة التصحر.

وسّع الشيخ زايد – بصفته رئيساً للدولة – من اهتمامه بالحفاظ على البيئة، حيث امتد هذا الاهتمام إلى جميع أنحاء دولة الإمارات، وقام بإنشاء البنية التحتية السياسية لأبحاث البيئة وحمايتها وتطويرها، ولم يقتصر دور الشيخ زايد على دعم زراعة المحاصيل فقط، ولكنه أمر أيضا بغرس ما يزيد على 140 مليون شجرة في جميع أنحاء الدولة، كما قام بتأسيس برنامج لحماية الحيوانات المحلية مثل الغزال والمها العربية، وتقديراً لدعمه القوي لحماية البيئة، كان الشيخ زايد أول رئيس دولة يفوز بجائزة "الباندا الذهبية" من "الصندوق العالمي للحياة البرية" عام 1995، وبعد عام من رحيله، كرّمه "برنامج الأمم المتحدة للبيئة" عام 2005 بصفته قائداً رائعاً ومبتكراً، ومنحه جائزة "بطل الأرض".

حفظ السلام والعمل الخيـري

كان لدى الشيخ زايد إيمان راسخ بالتضامن العربي، حيث دعا إلى إيجاد تعاون بين جميع الدول، مبنيّ على مبادئ الصداقة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولقد استشعر بواجبه في استخدام ثقله الشخصي والسياسي في الأوساط العربية والدولية؛ من أجل تحقيق السلام العادل والدائم في منطقة الشرق الأوسط، الذي يقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة، واستعادة الفلسطينيين لحقوقهم، وخاصة حقّهم في العودة إلى وطنهم، وإنشاء دولتهم المستقلة، واستعادة سيادتهم الشرعية على أراضيهم، وفي ضوء هذا الموقف ساند الشيخ زايد كلاً من مصر وسوريا في حرب 1973 من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة في فلسطين، وقام بقطع إمدادات النفط بصفته سلاحاً فعالاً، كما ألقى ببيانه الشهير الذي قال فيه: "إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي".

في أكتوبر 1980 نادى الشيخ زايد بعقد قمة عربية لإنقاذ لبنان من الحرب الأهلية، التي كانت دائرة بين طوائفها المختلفة، وفي هذا الخصوص صرح قائلاً: "يجب على كل عربي ألاّ يتخلّف عن تأدية واجبه في لبنان أو فلسطين، أو في أي مكان آخر في العالم العربي."

كان اهتمامه الدائم بالحفاظ على التضامن العربي هو ما دفعه إلى المطالبة بعودة مصر إلى "جامعة الدول العربية" في قمة عَمّان، التي عُقدت في أكتوبر 1987، بعد قطع العلاقات مع مصر بسبب توقيعها لمعاهدة "كامب ديفيد" مع إسرائيل، ولقد كشف تجديده للعلاقات الدبلوماسية مع مصر عن إيمانه الراسخ بأن المفاوضات هي السبيل الوحيد لتحقيق النتائج السياسية على المدى الطويل.

وأثناء الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1991، كان الشيخ زايد من أوائل القادة العرب الذين نادوا بالمصالحة، كما رحّب أيضا بلجوء العائلات الكويتية إلى دولته، وتجلّى أيضا اهتمامه بحفظ السلام في مشاركة دولة الإمارات في عملية "استعادة الأمل" في الصومال، التي قادتها الأمم المتحدة في عام 1992، وفي جهود الوساطة التي بذلها أيضا عندما اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في عام 1994.

على الصعيد الدولي كانت مشاركة دولة الإمارات في مهمة حفظ السلام في كوسوفو بقيادة "حلف الناتو" عام 1998، من أبرز الأمثلة التي توضح إيمان الشيخ زايد بالتضامن العالمي، حيث كانت دولة الإمارات أول دولة إسلامية تنضم إلى هذه العملية، كما كان حبّ الشيخ زايد لشعب كوسوفو هو الدافع وراء تنظيمه لبرنامج هائل للإغاثة الإنسانية عن طريق "جمعية الهلال الأحمر" الإماراتية، وهي الحملة التي لم تساعد فقط على حفظ السلام، بل قامت أيضاً بإعادة بناء البنية التحتية في كوسوفو.

كان للدين الإسلامي بالغ الأثر في تعميق إيمان الشيخ زايد بالتضامن والتكافل، حيث قام بدعم المسلمين في جميع أنحاء العالم بتوزيع نسخ من القرآن الكريم، وإنشائه لمراكز ومعاهد الأبحاث الإسلامية، وتقديمه دعم المادي لحجاج بيت الله الحرام.